الشيخ محمد رشيد رضا
413
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
أو كل أمة منكم أيها المسلمون والكتابيون أو أيها الناس جعلنا شريعة أو جبنا عليهم إقامة أحكامها ، وطريقا للهداية فرضنا عليهم سلوكه لتزكية أنفسهم واصلاحها ، لان الشرائع العملية ، وطرق التزكية الأدبية ، تختلف باختلاف أحوال الاجتماع واستعداد البشر . وانما اتفق جميع الرسل في أصل الدين وهو توحيد اللّه واسلام الوجه له بالاخلاص والاحسان والشرعة والشريعة في اللغة الطريق إلى الماء ، أو مورد الماء من النهر ونحوه ، وهذا هو المستعمل عند العرب حتى الآن . وهي من الشروع في الشيء . قال ابن جرير : وكل ما شرعت فيه من شيء فهو شريعة ومن ذلك قيل لشريعة الماء شريعة ، لأنه يشرع منها إلى الماء ، ومنه سميت شرائع الاسلام شرائع لشروع أهله فيه ، ومنه قيل للقوم إذا تساووا في الشيء : هم شرع ، سواء . واما المنهاج ، فان أصله الطريق البين الواضح . يقال منه : هو طريق نهج ومنهج بين ، كما قال الراجز : من يك في شك فهذا فلج * ماء رواء وطريق نهج اه وقال بعضهم سميت الشريعة شريعة تشبيها بشريعة الماء من حيث إن من شرع فيها على الحقيقة روي وتطهر والمراد الريّ المعنوي وطهارة النفس وتزكيتها وقد جعل اللّه الماء سبب الحياة النباتية والحيوانية ، وجعل الشريعة سبب الحياة الروحية الانسانية . اخرج غير واحد من رواة التفسير المأثور عن قتادة في قوله تعالى « لِكُلٍّ جَعَلْنا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهاجاً » يقول سبيلا وسنة . والسنن مختلفة ، للتوراة شريعة وللإنجيل شريعة وللقرآن شريعة ، يحل اللّه فيها ما يشاء ويحرم ما يشاء ، كي يعلم اللّه من يطيعه ممن يعصيه ، ولكن الدين الواحد الذي لا يقبل غيره التوحيد والاخلاص الذي جاءت به الرسل . وفي رواية عنه : الدين واحد والشريعة مختلفة . وروى ابن جرير من عدة طرق عن ابن عباس أنه قال في تفسير « شِرْعَةً وَمِنْهاجاً » سنة وسبيلا . وظاهر من قول قتادة ان الشريعة أخص من الدين ان لم تكن مباينة له ، وانها الاحكام العملية التي تختلف باختلاف الرسل وينسخ لا حقها سابقها ، وأن الدين هو الأصول الثابتة التي لا تختلف باختلاف الأنبياء . وهذا يوافق أو يقارب عرف الأمم حتى اليوم ، لا يطلقون اسم الشريعة الا على الاحكام العملية ، بل يخصونها بما يتعلق